متلازمة المحتال (Impostor Syndrome):
عندما يشكّ الإنسان في نفسه رغم كل الدلائلتُعد متلازمة المحتال إحدى الظواهر النفسية المعقّدة التي تصيب أشخاصًا ناجحين على المستويين المهني والعلمي، لكنهم رغم إنجازاتهم يعيشون شعورًا خفيًا بأنهم لا يستحقون ما حققوه. يعتقد المصابون أنهم يخدعون الآخرين بقدرات مزعومة، وأن نجاحهم مجرد صدفة أو حظ عابر، وليس نتيجة جهدهم أو ذكائهم الحقيقي.
تعريف علمي وارتباطات طبية
صاغت هذا المصطلح لأول مرة العالِمتان النفسيّتان "بولين كلانس" و"سوزان آيمس" عام 1978، أثناء دراستهما لنساء ناجحات أكاديميًا كنّ يشعرن بعدم الجدارة رغم إنجازات واضحة. منذ ذلك الحين، اعتُبرت المتلازمة شكلاً من التحيّز المعرفي (Cognitive Bias) الذي يدفع الشخص لتقليل قيمة ذاته وإنجازاته.
تُدرج متلازمة المحتال حاليًا ضمن اضطرابات التفكير المرتبطة بالقلق والاكتئاب، وليست اضطرابًا نفسيًا مستقلًا في التصنيفات الطبية (DSM-5)، لكنها تُعتبر عامل خطر مؤثرًا في نشوء أعراض مثل الإرهاق المزمن، التوتر، واضطرابات النوم.
الأعراض المميزة
(1) الشك في الذات: رغم الأدلة الموضوعية على الكفاءة، يعيش المصاب شعورًا دائمًا بأنه أقل من الآخرين.
(2) الخوف من “الانكشاف”: القلق المستمر من أن يكتشف الآخرون “الحقيقة” المزعومة بأنه غير مؤهل.
(3) المثالية المفرطة: وضع معايير مستحيلة للنجاح، واعتبار أي خطأ بسيط فشلًا ذريعًا.
(4) التقليل من الإنجازات: إرجاع النجاحات للحظ أو لمساعدة الآخرين بدلاً من الجهد الذاتي.
(5) الإفراط في العمل: بذل مجهود غير منطقي لإثبات الذات وتغطية “النقص” المتخيل.
الحقائق والإحصاءات
تشير دراسة نُشرت في Journal of Behavioral Science عام 2020 إلى أن حوالي 70% من البشر يمرون بتجربة مشابهة لمتلازمة المحتال في مرحلة ما من حياتهم، خصوصًا بين الأكاديميين والمهنيين الشباب.
وفي دراسة أخرى بجامعة هارفارد (2019)، وُجد أن المتلازمة أكثر شيوعًا بين النساء بنسبة 58% مقارنة بـ42% من الرجال، ويرتبط ذلك غالبًا بالضغوط المجتمعية وصورة “النجاح المثالي”.
الأسباب النفسية والاجتماعية المحتملة
1- تربية صارمة أو نقد مفرط: حين يُربّى الطفل على أن النجاح لا يكفي، بل يجب أن يكون “الأفضل دائمًا”، ينشأ لديه ارتباط بين القبول والإنجاز.
2- المقارنة المستمرة بالآخرين: في عصر وسائل التواصل، أصبحت المقارنة اليومية وقودًا للشعور بالنقص.
3- البيئات التنافسية: أماكن الدراسة أو العمل التي تُقاس فيها القيمة بالأداء فقط قد تزيد من حدة الظاهرة.
4- ضعف الثقة بالنفس أو الخوف من الفشل: عاملان جوهريان يعززان حلقة الشك الذاتي المستمرة.
العلاج والتعامل العلمي
العلاج النفسي القائم على العلاج المعرفي السلوكي (CBT) أثبت فعالية واضحة في مساعدة المصابين على إعادة بناء تصورهم الذاتي وفهم جذور أفكارهم السلبية. كما تبيّن أن المجموعات الداعمة ومشاركة التجارب الشخصية تقلل الإحساس بالعزلة، وتساعد في بناء ثقة أكثر واقعية.
خلاصة
متلازمة المحتال ليست ضعفًا في الشخصية، بل استجابة معرفية ناتجة عن ضغوط بيئية ونفسية. الاعتراف بها خطوة نحو التحرر من سجن الشك الذاتي، وفهم أن النجاح ليس خدعة بل ثمرة جهد وذكاء يستحق التقدير.
المرجع العلمي:
Bravata, D. M. et al. (2020). Prevalence, Predictors, and Treatment of Impostor Syndrome: A Systematic Review. Journal of General Internal Medicine.
