الصين تُعيد تشكيل التعليم العالي: من الكلاسيكيات إلى هندسة المستقبل
في خطوةٍ استراتيجية تهدف إلى بناء «أمة متعلّمة» بحلول عام (2035)، شرعت الصين في إصلاحٍ جذري لأنظمتها الجامعية، عبر إلغاء مئات التخصصات التقليدية واستحداث تخصصات هندسية وتكنولوجية جديدة تتماشى مع متطلبات الثورة الصناعية الرابعة. لم تعد بكين تكتفي بتطوير المناهج، بل قررت إعادة تعريف جوهر التعليم نفسه وربطه مباشرةً بالابتكار والإنتاج الصناعي.
ووفق بيانات رسمية من وزارة التعليم الصينية، تم بين عامي (2023) و(2025) إضافة أكثر من (3229) تخصصًا جديدًا في الجامعات، مقابل إلغاء أو دمج (2534) تخصصًا تقليديًا لم تعد تلبي حاجات السوق. كما وجّه الحزب الشيوعي نحو (40%) من طلاب الجامعات إلى التخصصات العلمية والهندسية في إطار خطة قومية كبرى للنهضة التقنية.
أبرز (10) تخصصات هندسية وتكنولوجية جديدة تم استحداثها:
1) هندسة الذكاء الاصطناعي (AI Engineering)
2) هندسة الجزيئات الذكية (Intelligent Molecular Engineering)
3) تكنولوجيا الاقتصاد منخفض الارتفاع (Low-Altitude Economy Technology)
4) علوم الحياد الكربوني (Carbon Neutrality Science)
5) هندسة المعلومات الزمكانية (Spatiotemporal Information Engineering)
6) الأمن السيبراني المتقدم (Advanced Cybersecurity)
7) هندسة الروبوتات الذكية (Intelligent Robotics Engineering)
8) الحوسبة الكمومية التطبيقية (Applied Quantum Computing)
9) هندسة المواد المتقدمة (Advanced Materials Engineering)
10) تكنولوجيا الطاقة الجديدة (New Energy Technology)
في المقابل، تم تقليص أو إلغاء عددٍ من التخصصات التي كانت تمثل رموزًا ثقافية أو فكرية في التعليم الصيني، من بينها:
1) الأدب الكلاسيكي الصيني (Classical Chinese Literature)
2) الفلسفة التقليدية (Traditional Philosophy)
3) التصميم الداخلي (Interior Design)
4) الرسوم المتحركة (Animation)
5) الفيزياء التطبيقية (Applied Physics)
6) التاريخ القديم (Ancient History)
7) الموسيقى التقليدية (Traditional Music)
8) علم الاجتماع العام (General Sociology)
9) الصحافة الورقية (Print Journalism)
10) إدارة المكتبات والمعلومات التقليدية (Library and Information Management)
الهدف الاستراتيجي من هذا التحوّل هو إعداد جيلٍ يقود المستقبل بدلاً من اللحاق به. الصين لا تريد أن تكون مصنع العالم فقط، بل مختبره أيضًا. ولذلك فإن الخطة تركز على:
1) توطين التعليم بما يتناسب مع متطلبات الثورة الصناعية الرابعة.
2) بناء كوادر تكنولوجية قادرة على الابتكار الذاتي.
3) ربط الجامعات مباشرة بالاقتصاد والإنتاج الصناعي.
4) تحقيق ريادة علمية وتقنية عالمية بحلول منتصف القرن.
في المقابل، يثير هذا التحول نقاشات فكرية واسعة داخل الأوساط الأكاديمية؛ فبعض الخبراء يحذرون من أن التركيز المفرط على التكنولوجيا قد يؤدي إلى تهميش العلوم الإنسانية التي تشكّل الوعي والهوية الثقافية. كما أن سرعة التحوّل تفرض تحديات على مستوى تأهيل الأساتذة وتحديث البنية التحتية الجامعية، بما يضمن جودة المخرجات الجديدة.
ومع ذلك، تبقى الصورة العامة واضحة: الصين تتحرك بثبات نحو نموذجٍ تعليمي يستبدل الحفظ بالتفكير، والتلقين بالبحث، والتقليد بالابتكار. من يزرع تعليمًا موجَّهًا للمستقبل اليوم، سيحصد السيادة العلمية غدًا. وكما تردد الصين في خطابها الرسمي: «من جدّ وجد، ومن زرع حصد».
المصدر:
تقرير Reuters بعنوان: "China unveils 2024–2035 plan to build a 'strong education nation'"، نُشر في (19 يناير 2025)، تناول بالتفصيل خطة الحكومة الصينية لإعادة هيكلة التعليم العالي عبر استحداث تخصصات تكنولوجية متقدمة وإلغاء البرامج التقليدية غير المتماشية مع متطلبات الصناعة الحديثة، ضمن رؤية تهدف إلى بناء قوة تعليمية رائدة عالميًا بحلول عام (2035).
